حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

158

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الألوهية فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ الأسرار بقدرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زبد الوجود المجازي وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ من البقاء في نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي أَوْ مَتاعٍ وهو التمتع به زَبَدٌ مِثْلُهُ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد فَأَمَّا الزَّبَدُ في الأحوال كلها فَيَذْهَبُ جُفاءً بالفناء وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من البقاء باللّه فَيَمْكُثُ فِي أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي . لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [ الأنبياء : 101 ] وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة . وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به سِرًّا بالانقطاع عما يشغل بواطنهم وَعَلانِيَةً بالانفصال عما يشغل ظواهرهم وَيَدْرَؤُنَ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ تبركا وتيمنا بهم تبعا لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير باللّه إلى اللّه سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ عن غير اللّه وعلى صدق الطلب أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ القلوب أربعة : قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى ، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر اللّه كما في الآية . وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه باللّه وصفاته كقول الخليل صلى اللّه عليه وسلم وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] أي بتجلي صفات الأحياء ، وإذا صار القلب مطمئنا انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضا فيستحق بجذبات العناية لخطاب ارْجِعِي [ الفجر : 28 ] ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال : الَّذِينَ آمَنُوا الآية . فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة « لا إله إلا اللّه » مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة » . فافهم . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 30 إلى 43 ] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ( 30 ) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 31 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 32 ) أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 33 ) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 34 ) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ( 35 ) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 )